عبد القاهر الجرجاني

25

درج الدرر في تفسير القرآن العظيم

إنّما سألتك لتخبرني ، قال : فهي أيّام سمّاها اللّه تعالى في كتابه ، وهو أعلم بها ، أكره أن أقول في كتاب اللّه ما لا أعلم ، قال ابن أبي مليكة : فضرب الدهر ضربة ، فجلست إلى سعيد بن المسيّب ، سئل عن المسألة ، فلم يدر ما يقول ، فقلت له : ألا أخبرك بما شهدته من ابن عباس ؟ ثمّ ذكرته له ، فسرّى ذلك عنه ، وقال : هذا ابن عباس قد اتّقى أن يقول فيها وهو أعلم منّي » . فيقول في سورة السجدة : « وهذه الرواية مخالفة لما سبق عن ابن عباس في هذا الباب ، فإن صحت فيحمل : أنه فسّر هذه الآية لتوقيف ، أو لدلالة قامت له . ويحتمل : أن ما سبق قوله الأول ، وهذا قوله الثاني استفاده من عليّ أو أبيّ أو غيرهما ، أو فتح عليه بالإلهام ، وأدركته دعوة النبي عليه السّلام : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » « 1 » » . يمكن القول بأن المؤلف رحمه اللّه تعالى قد أكثر بالأخذ بأقوال الصحابة ، ولكن لم يمحص هذه الأقوال تمحيصا تامّا ، فذكر الصحيح منها والضعيف والموضوع ، كما أنه أورد الإسرائيليات على ألسنة الصحابة ، التي تجعل القارئ يحذر كثيرا من مثل هذه الأقوال . ثانيا - أقوال التابعين : يعدّ تفسير التابعين من قبيل التفسير بالمأثور ، ويشمل التفسير بالمأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته ، وما نقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما نقل عن الصحابة رضوان اللّه عليهم ، وما نقل عن التابعين من كل ما هو بيان وتوضيح لمراد اللّه تعالى من نصوص كتابه الكريم . والواقع أنّ كثيرا من أقوال التابعين في كثير من القضايا التي لا يمكن أن تكون من أقوالهم ، وليس للاجتهاد مجال فيها ، من مثل أسباب النزول والنسخ وغيرها ، فهذه الأقوال لا بد أن تكون قد أخذت من الصحابة رضوان اللّه عليهم ، هذا إن كان التابعي الذي نقل هذا القول ثقة ، فلا يمكن أخذه على أنه كذب ، وإن لم يكن مورده فيها . والصحيح أنه يكون من المرسل الذي يقع فيه سقط للصحابي ، ويكون حكمه كحكم المرسل في المعاملة والأخذ به . « 2 » أما ما كان في مجال الاجتهاد والرأي ، فالرأي الراجح في ذلك أنه رأي قابل للصواب والخطأ ، وإنما يستأنس به في التفسير ، لأنهم قد شاهدوا وعايشوا الصحابة الذين بدورهم شاهدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعاصروا التنزيل . وقد نهج مؤلف درج الدرر رحمه اللّه تعالى نهجا واسعا في الأخذ بأقوال التابعين ، وذكر أقوالهم ، وأكثر النقل عنهم ، سواء ذكر أن هذه الأقوال لهم أو لم يذكر ، وقد اتبع الأساليب الآتية : 1 - أقوال يذكر أصحابها : وهي كثيرة وأكثر نهجه على ذلك ، وأمثلته كثيرة منها : في تفسير قول اللّه تعالى : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ [ يوسف : 10 ] ، يقول : « قتادة

--> ( 1 ) درج الدرر 313 . ( 2 ) ينظر : مناهج المفسرين 44 - 45 .